الصالحي الشامي

7

سبل الهدى والرشاد

الباب الثاني في حكم عقد قلبه - صلى الله عليه وسلم - في الأمور الدنيوية أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشئ على وجه ويظهر خلافه ، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع ، كما حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي وغير واحد سماعا وقراءة ، قالوا : حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو العباس الرازي ، حدثنا أبو أحمد بن عمرويه ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا عبد الله بن الرومي ، وعباس العنبري ، وأحمد المعقري ، قالوا : حدثنا النضر بن محمد ، قال : حدثني عكرمة ، حدثنا أبو النجاشي ، قال : حدثنا رافع بن خديج قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل ، فقال : ما تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه . قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ، فتركوه ، فنقصت ، فذكروا ذلك له ، فقال : إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فإنما أنا بشر . وفي رواية أنس : أنتم أعلم بأمر دنياكم . وفي حديث آخر : إنما ظننت ظنا : فلا تؤاخذوني بالظن . وفي حديث ابن عباس في قصة الخرص ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب . وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها ، لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه ، وسنة سنها . وكما حكى ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن المنذر : أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : لا ، بل هو الرأي والحرب والمكيدة . قال : فإنه ليس بمنزل ، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نعور ما وراءه من القلب ، فنشرب ولا يشربون . فقال : أشرت بالرأي ، وفعل ما قاله . وقد قال له الله تعالى : ( وشاورهم في الأمر ) . وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث ثمر المدينة ، فاستشار الأنصار ، فلما أخبروه برأيهم رجع عنه . فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها ، يجوز عليه فيه ما ذكرناه ، إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة ، وإنما هي أمور